حول مسألة تجديد الخطاب الديني

اقرأ المقال في الشروق

“أن تتحكم فيما يستطيع شخص ما أن يقوله، يعني أن تتحكم فيما يستطيع أن يكونه.”
– جينيت ر. مالكين، العنف اللغوي في الدراما المعاصرة، 1993

منذ تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي عمل على إحياء مسألة تجديد الخطاب الديني، بعد أن أطاح الجيش بحكم الإخوان المسلمين كرأس لهيمنة إسلاموية تفتخر بسطوتها. ما لبث ثمئذ مؤيدو السلطة الجديدة أن أعادوا تكرار الرئيس وألحوا في استحداث سبل جديدة، والبحث عن خطاب جديد في الدين (الأهرام، 22 مارس 2016).

بدا أولئك المؤيدون مصدقين بإمكانية تجديد الخطاب الديني على توسيع الفجوة بين واقع وسطي مزعوم والفكر المتشدد الديني، في حين ألقوا بالمهمة على كاهل الأكاديمية الأزهرية التي اعتبرها البعض بالية، وآخر إرهابية (سيد قمني إلى الأمم المتحدة).

بينما تزاحمت الافتراضات جزافا غاية تحقيق التجديد كضرورة، لم يُنتبه إلى كون مسألة التجديد متعاقبة بُعيد حوادث القتل المروعة التي تستهدف المدنيين والسواح بشكل خاص، إذ تنتسب جميعها لطائفة تعلن دائما عن نفسها. من هنا لم يلتفت دعاة التجديد إلى أن مسألتهم طرف في المشكلة من ناحيتها العملية، كذلك إلى اتساق مبدأهم مع “الإرهاب” الجهادي في الأخذ المشترك بحرفية النص الديني وقدسيته، بالرغم من إصرارهم على النقيض الذي يدركهم قيعان الإنكار.

كان للتكرار في هذه الحال أن رسخ من المسألة باعتبارها لا مندوحة عنها. وما أحالها في الواقع إلى ضرورة كان التكرار أكثر منه التجربة عمليا؛ بالإمكان إعادة النظر في تطبيع الإيمان على عموم الشعب المصري من خلال ترديد السادات إبان حربه على اليسار في سبعينيات القرن الماضي، كذلك تطبيع التدين أثناء الحشد الإسلاموي في مواجهة المد الليبرالي قُبيل استفتاء المجلس العسكري في 19 مارس قبل خمس سنوات؛ ما يجرد الجوهر اللغوي (التكراري) للمسألة.

من ناحية عملية لا يعد تجديد الخطاب الديني شيئا بحد ذاته، ويشترك في الفقه مع الإرهاب الإسلامي – إذا جاز التعبير. تبرر تلك الشراكة التبجح الجهادي في مواجهة الأصولية الأزهرية؛ من ناحية الإسناد الفقهي في الحالين إلى صحيحي الكتاب والسنة؛ الأمر الذي يسبب إحراجا ملحوظا لدى رجال الأزهر المعنيين بتجديد الخطاب الديني، أو في هذه الحال، بتجديد الدين؛ كونهم وضعوا جانبا فقه العنف ولو مؤقتا، وعملوا على تدشين فقه الرحمة والتسامح الذي لا يمثل فارقا حقيقيا من حيث الإسناد الأصولي المشترك، وأشبه بمحاولات متيقظة للهرب من أصول الدين.

يعتمد نسق تجديد الخطاب الديني المقصود على تبسيط مفرط للحديث عن الله والدين (الإسلام)، السمة المميزة لفقه الأزهر الما بعد حداثي، خاصة عندما كُلف بوقف نمو التيارات المتشددة لدرجة لم تُعهد من قبل؛ يمكن القول بأن السادات أطلقها للقضاء على اليسار والشيوعية، وقد نجح في ذلك بشكل ظاهر.

هذا الاضطراب الفقهي المتفاقم لخمسة عقود إلى الآن لم يؤت بثماره. وأدى تجنب رجال الأزهر لفقه العنف في وقت القمع السياسي إلى التعزيز من الفكر المتشدد في مواجهته، وساعد مؤخرا في إطلاق موجة إلحاد أعمى قادر على إدانة الأزهر كمؤسسة وكأكاديمية، على الرغم من اجتهاد رجاله في صبغ أنفسهم والفقه الأزهري بصبغة رُحمانية متساهلة.

كانت محاولة فقهاء الأزهر لطمس المعالم المقدّسة للدين التي لم توفق في مواكبة الزحف العلمي والنظرة الجديدة للعالم منشأ ذلك الاضطراب، لا سيما منذ تسعينيات القرن الماضي. مع أن محدّثوا الأزهر في بداية القرن العشرين كانوا رجالات فكر حقيقيين، لا تزال اجتهاداتهم تنضح إلى اليوم بالثمر. لكن في نهايات القرن نفسه لم يتبق للمؤسسة سوى إهدار دم فودة، وتكفير أبي زيد في مطلع القرن الحالي، ما أثبت أن سبل الأزهر في التجديد لم تكن فقط غير موفقة، بل حافلة بالتشدد والإلحاد معا.

ومن التجربة أيضا أن العداء الذي نشب بين الأزهر وجماعة الإخوان المسلمين ومواليها من السلفيين، انحصر في النفاذ من الإذعان لقيادة جديدة لاأشعرية، إذ لم يكن الرجال القائمين على المؤسسة على استعداد بعد للتخلي عن التكيف القمعي الذي أسس له عبد الناصر، لدرجة صار رجل الأزهر مادة مقررة للسخرية في سينما الستينيات. ولذلك كان من الأيسر على قادة الأزهر أن تخضع مرة أخرى لنفس الإديولوجية الشمولية، بدلا عن الوقوف لها.

تبدو مسألة تجديد الخطاب الديني سياسية أكثر منها دينية، ومحض إرجاء فقه العنف مرهون بإقرار من السلطة الحاكمة؛ وعلى رأي صديق: “لو قامت الحرب على بلدان العرب لوجدت الأزهر يحث على الجهاد،” كما كان يفعل في عهد الانتداب البريطاني على مصر، وقتما كان راية للمقاومة المدنية، بينما كان الجيش المسلح المصري لا مكان له في أرض الواقع، واستمر الوضع إلى أن أُحكمت القبضة العسكرية على قطاعات الدولة قرابة مطلع الستينيات.

يتربع على هذا الأساس فقه ابن تيمية شيخ الإسلام المتشدد، كما يريد مناهضو الأصولية أن يصفوه، دون أن يلتفتوا إلى طبيعة عصره الحافلة بالصليبيين والتتار، حيث ارتأى الأولوية للجهاد على التجديد. ولعل القمع السياسي الذي عزز من مسألة تجديد الخطاب الديني، قد عزز من تعميم التدين قهرا؛ يدلل على ذلك الطموح السياسي والاقتصادي لكافة الحركات الإسلاموية التي تطمح إلى مواجهة الدولة واضعة نصب أعينها أهدافا لا علاقة مباشرة لها بالدين أو بالتدين؛ في وقت حرمان المجتمع من الفضاء السياسي وإتاحة فضاء ضيق للممارسة الدينية، لم يغن عن تعميم الأضيق على الأوسع، وأشعل بعدئذ نهج العنف الديني في السياسية، أمست الدولة حائرة في وقفه.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s