في الزمن

نُشر هذا البحث في الأوان
النص الأول
النص الثاني
النص الثالث

“ناضل ميرتشا إلياده طيلة حياته من أجل إدراج المقدَّس
ضمن البناء التَّطوريِّ للإنسان، أثناء تحوّلنا إلى بشر[1].”

ماهية الزمن

تقدم الواحدانية تصورا باستقامة الزمن، حيث يعتقد المؤمنون من أديان التأليه في زمن يتقدم للأمام بلا إمكانية للانتكاس. تمنح الدوجما تفسيرا لكيفية انطلاق الزمن من نقطة بدايته، وكيف سيصل في نهاية المطاف المقرر له إلى النقطة التي يتوقف فيها. لا أريد الخوض في مناقشة استقامة الزمن، بدايته أو نهايته الآن، كل ما أسعى إليه فهم مبتدأ للزمن. يمكن تصوير مثل هذا التصور على النحو التالي:

ينطلق الزمن في اتجاه مستقيم، ويشمل الماضي، الحاضر والمستقبل. توجد كل حقبة بشكل مستقل في الإدراك الإنساني، وتشمل الذات الإنسانية الزمن بشكل كليّ، متضمنة جميع مشتقاته. ويخلق هذا التصور فكرتين عن الزمن: أولا، استقامته من حيث مساره الموجّه، وثانيا، أنه متقطع إلى وحدات مكوّنة.يطلق الفكر العام “اللحظة”، بشيء من التجاوز، على أصغر وحدة مكوّنة للزمن.

الفكرة الأولى التي تعزز من استقامة الزمن، تجعلنا نؤمن ضمنيا ببداية، مسار، ونهاية للزمن. هذه الفكرة تفسر الزمن ككيان موضوعي. أما الفكرة الثانية فلديها مشكلة رغم أنها مؤيدة علميا، فتقول بأن العالم يتألف من أصغر وحدات الزمن في سيرورة مستمرة.

نعتبر عادة أن اللحظة الحالية مستمرة، ولكن متغيرة. اللحظة التي كتبت فيها هذه الكلمة، ليست هي اللحظة التي أكتب فيها هذه الكلمة. من الممكن أن تكون اللحظة هي التي كتبت فيها أول حرف من الكلمة، وقد تكون أصغر من ذلك عندما طرأت لي الفكرة، وإلى أصغر من ذلك قبل أن أدركها.

منذ ما يقرب من 2500 سنة، بين العامين 515 و460 ق.م.، وضع بارمينيدس حلا لهذه المعضلة. بتأمله “اللحظة” سمح لنفسه بأن ينتهي إلى أن الزمن، أو أبعد من ذلك إلى الوجود، هو اللحظة الحالية فقط. هذه اللحظة التي تمتد بشكل لانهائي، وأشبه بحلقة تبتلع الكون. ومن ثم كان التغيير، علاوة على الحركة، مستحيلان منطقيا.

إن فهم فلسفة بارمينيدس أكثر قابلية من هذا المدخل، بالإضافة إلى أنه على هذا الأساس يمكنك تناول مفارقات زينو الإيلي، التي وضعت تأييدا لنظرية بارمينيدس في الزمن، بشيء من الجدية. هذه المفارقات شغلت المفكرين والعلماء لأكثر من ألفي سنة، إلى أن تم التوصل علميا لمفاهيم مثل السرعة، واستحداث مفاهيم كالقوة. يتفق هذا المقال جزئيا مع نظرة بارمينيدس، ولكي أستطيع عرض فكرتي، عليّ أولا أن أفرّق بين الاعتبارات الإنسانية للزمن، وبين ما يمكن أن يكون موضوعيا.

عندما يقول أحدنا في 2015 “يوم”، فإنه بدقة يقصد فترة زمنية (24 ساعة). ولكن ليست أية أربعة وعشرين ساعة، بل الفترة متضمنة تعاقبا لليل والنهار، هكذا نفهم المقصود من كلمة “يوم”. تعتبر نواة هذا الطرح أن الليل، من الناحية الموضوعية، ليس ليلا بالمعنى المخصوص للكلمة، وكذلك الأمر بالنسبة إلى النهار، فكلاهما حالة من بلوغ ضوء الشمس لأجزاء معينة من كوكب الأرض. يعني هذا أنهما يحدثان على لا شيء بالتحديد، وأنهما عرضيان أكثر من كونهما موضوعيين.

نعتقد أن تعاقب الليل والنهار، فصول السنة، والمواسم الطبيعية يساعدنا على إدراك الزمن، ولكن الحقيقة أن إدراكنا الزمن بهذه الطريقة متعلق بالقياس (الحساب) الزمني الذي وضعناه من أجل قبيل من المعرفة أو التمييز، وليس لإضفاء طابع جوهري على الزمن. أعتقد أنه كان من المستحيل حساب اليوم الواحد كأربعة وعشرين ساعة بدون وضعية الأرض التي تسمح لها بالدوران حول نفسها في هذه الساعات؛ فلو كانت طبيعة الأرض كبعض مناطقها النائية، بحيث لا تسمح بتعاقب الليل والنهار في شكل غير موسمي، كان من المستحيل أن نتوصل لمفهوم السنة كاعتبار زمني مؤلف من 365 يوما؛وحينها كنا سندرك الطبيعة الفيزيائية لدوران الأرض حول الشمس، وأن إقحام الزمن دلالي ليس أكثر، لأن هذه التغيرات ليست كما نعتبرها زمنية بل فيزيائية، نتجت عن مدار الكوكب في مجموعته النجمية، من ثم لا يمكن أن تؤثر في الزمن، ومن ثم لا يمكن منطقيا خضوع الزمن لها.

كذلك تنبني كافة مشتقات الزمن على اليوم الواحد، مثل البارحة والغد، إلخ. وفكرة فناء البارحة في اليوم واليوم في الغد، تعني أن أنا البارحة، ليس أنا اليوم. بفناء البارحة في اليوم، فإن بالضرورة أنا البارحة يفنى في أنا اليوم؛ ويعني هذا التغيير المستمر للإنسان اعتباره أقرب للنيوترونات. إن وجود ما يمكن تسميته البارحة أو الغد يعني التغيير، وهذا التغيير شامل ولا يمكن استثناء الإنسان منه؛ لأن شعرنا وأظافرنا تنمو، أجسادنا تتغير، وهذه العملية لا تحدث فجأة بل في سيرورة مستمرة، وتؤيد نظريات علمية هذا الزعم، وأرى فيه صحة ما، لكني فقط لا أوافق على اعتبار البارحة والغد مشتقات زمنية، لأنهما نوع من القياس الذي يقوم على فرض استقرار غير حقيقي لأصغر وحدة زمنية، ومنها تصاغ مشتقات الزمن من الماضي، الحاضر، والمستقبل، إلخ.

تساعد التغيرات الفيزيائية (كالفصول والمواسم) إدراكنا البسيط للزمن من خلال تكرارها. هذا التكرار يُرهن بثبات مجازي ومؤقت للمجموعة الشمسية، وبالتالي لا يمكن أن توجد بشكل موضوعي كفترات زمنية. من هنا، نخلص إلى أن مبدأ التغيير الزمني على الأرض متزعزع، وأن السيرورة الزمنية تمتد بمنأى عن تلك الاعتبارات لأنها ليست زمنية. يعني هذا الامتداد أن البؤرة الزمنية تحتوي على الماضي، الحاضر والمستقبل.

يمنح هذا التفسير الزمن امتدادا مبسطا يسمح بالتغيير المستمر، يتوافق من ناحية ونظرية بارمينيدس، ومن ناحية أخرى يقوضها. فهو يقر تغييرا مستمرا في إطار امتداد زمني يتألف من أبعاد تشبه سلاسل الأرقام. فالصفر ليس نقطة انطلاق لسلسلة الأعداد الموجبة، بل نقطة التقاء بين سلسلتين من الأعداد (سالبة وموجبة). هذا التأمل الرياضي يبعد عن الزمن شبهة البداية، الاستقامة، وبالتالي النهاية. وعلى هذا الغرار، يمكن القياس:إذ ليس هناك ما يمنع أن يكون صفر الزمن تقاطعا بين بعدين أو أكثر.

العقيدة والزمن

عندما كنت أبحث عن التّصور الواحدانيَّ للزّمن، انشغلت بمراقبة أثره في السّلوك الإنسانيِّ، غافلا عن تقديم مناسب – على سبيل التّمهيد – لكيفيّة تأليف المنظور العقائديِّ لنظرة الإنسان للعالم، بالطبع تتضمن هذه النظرة رؤية مستقلّة للزّمن.

تنحدر الرؤية الزّمنيّة بشكل مباشر من جوهر العقيدة، ولا تنبع جرّاء الاحتكاك بماهيّة ما للزّمن. وباكتمال كافّة عناصر المنظور العقائديِّ، إلى حدٍّ مّا يقدّمه للإنسان من النّاحية العمليّة، لا يقدّم أيَّ شيء يخصُّ ماهيّة الزّمن، وتُستخلص الرؤية الزّمنيّة ضمنيًّا، ويغدو من العسير الإقرار بموضوعيّة ما للزمن ضمن هذا الإطار.

ينبني المنظور العقائديُّ فوق أساس من المعرفة الّتي تتيحها الأسطورة، والّتي يمكن قصرها على النّص المقدّس. بعبور الأسطورة لحواجز الأجيال، تتدفّق المعرفة من الأسطورة الذّاتيّة إلى البناء العقائديِّ الموضوعيِّ. ومن الوارد في هذا المضمار أن يصطدم المرء بقبيل من المعرفة لا يتّبع سياقا منطقيًّا بغض النّظر عن السّياق الأدبيِّ للحكاية نفسها، فاتحا الباب على مصرعيه أمام التّضارب والتّناقض، مستحيلا في نهاية الأمر إلى مسألة “إيمان”.

يعتبر التّسليم بما يرد في الأسطورة ركيزة أساسيّة للبناء العقائديِّ. من الممكن أن أفترض مجازا أنّه لا توجد طريق لاستيعاب الأسطورة أو النّص المقدّس سوى عن طريق الإيمان بمعناه العام، بخاصّة أنّه يتلاقى والأسطورة لدى عامل الإطلاق، ولا توافر بداخل أي منهما براح لما يمكن تسميته بالعقل إلاّ في ركن ضيّق جدًّا، هو ما يؤسّس بعد ذلك للعقيدة.

تمتاز العقيدة بالصّرامة، على العكس من الإيمان، إذ تقوم فوق بنية موضوعيّة إلى حدّ كبير. ويتقيّد شقّها الذاتي ببسّط الأسطورة لهيمنتها عن طريق التّسليم بها كمعبر وحيد للمعرفة الإلهيّة. هذا التّرابط بين الذّات والموضوع يشيّد صرحا قاسيا تشقّ مجابهته.

لو نظرنا للعقيدة الواحدانيّة، سنجد أنّها تتمحور حول ثلاثة محاور رئيسيّة: وحدانيّة الله المطلقة ذات الجذور الإبراهيميّة، ديمومة الخلق من التّراث اليهوديِّ، والحياة الآخرة المسيحيّة الأصل. تتضمن هذه المحاور خطًّا مستقيما يصل بينها، كما تحتوي على إشارات زمنيّة لإمكانيات مثل التّحكم في أو التّحرر من الزّمن، بالإضافة إلى استعادة الماضي. ما سأركز عليه هو التّقسيم الزّمني بين الأسطورة والعقيدة؛ الزّمن الميطيقي والزّمن الحقيقي.

يمتدّ الزّمن الميطيقي عبر الأسطورة وأخبارها؛ قبل الخلق، عهد الخطيئة الأولى، الطوفان، ويحتلّ الحياة الآخرة من دون شكّ. لا يخضع هذا الزّمن للمقاييس المتعلّقة بفيزيائيّة الكون، وتقفز ماهيته فوق تلك المقاييس للتّحلي بصفات هي في الأساس من صفات الله، كالقداسة، والأزليّة، وعدم الفناء، إلخ.

يُنظر بعين الاعتبار إلى زمننا الحالي باعتباره الزّمن الحقيقي الخارج عن الأسطورة، بحيث يقتطع المسافة بين أيّام الخلق الستّة ويوم القيامة، متمتعا بصفات الخلق من المحدوديّة والفناء، ويخضع بالتّأكيد لكافة التّقلبات الكونيّة.

يلتحم الزّمنان من خلال الأسطورة، عندما يقحم شقًّا منطقيًّا ضئيلا الزّمن الميطيقي في الزّمن الحقيقيِّ. على سبيل المثال، يعارض المسيحيون والمسلمون إدراج يسوع ومحمّد ضمن الزّمن الميطيقي، ويشيرون إلى تواجدهما في تواريخ حقيقيّة قريبة العهد. بالإضافة إلى ذلك تقبع شخصيات لامركزيّة خلف الشّخصيات المحوريّة المميزة لكلّ دين من أديان التّوحيد، مثل إبراهيم، يوسف، وموسى (في المسيحيّة والإسلام)، واصلة مرّة أخرى بين الذّات والموضوع، وداعمة لمصداقيّة الإيمان الدِّينيِّ.

بتكامل المنظور العقائديِّ الواحدانيِّ إلى هذا الحدّ، لا يُصار للعالم سوى نمطا واحدا للكون. يرسي هذا المنظور دعائم النّظرة الكونيّة الّتي تسيّر الخلق من بدايته إلى نهايته في مسار حركي متقدّم. وهكذا يتّخذ الزّمن مجرى مستقيمًا بلا إمكانيّة للانحناء، منطلقا من العماء إلى الفناء.
وفي الهند سرعان ما سنحدّق في تقارب ظاهر بين أديان العقائد المنتشرة في أرجائها. فمثلا يؤمن الهندوسيون بتناسخ الأرواح، ويؤمن البوذيون بعود تكراري للخلق. تحكي الميثولوجيا الهنديّة عن نهاية للعالم قد حدثت من قبل، تماما كميثولوجيا الشّرق الأوسط. إلى جانب الطوفان الّذي أفنى العالم ما عدا أعداد قليلة مختارة، عادة ما ينتهي العالم عن طريق كوارث كونيّة أخرى، مثل الحرائق، الهزّات الأرضيّة، وما إلى ذلك.

يكمن التّباين الجوهريُّ بين عقيدتيْ الشّرق الأوسط والهند في إعادة خلق العالم بصفة دوريّة. في العقائد الواحدانيّة يحدث الخلق مرّة واحدة، ويُقرر بنهاية محدّدة مسبقا. أمّا في الهند يفنى العالم ويتجدّد كلّ فترة، هذا ما يعرف بالعود الأبدي بسبب استحالة نهاية العالم، من ثمّ يتّخذ الزّمن شكلا مقوّسا.

يبقى هذا التّباين جوهريًّا بفعل البيئة، ظروف العيش، المناخ والتّاريخ. وقد تساهم أيضا هذه العناصر في إحداث تفاوت بين العقائد أو الدّيانات ذات العقيدة المشتركة، بحسب جغرافيّة كلّ منها. يمكن رصد هذا التّفاوت بين عقائد الشّرق الأوسط، الشّرق الأقصى، الهند، وفارس على مراحل زمنيّة متفرّقة.

يمكننا إذن أن نخلص إلى التّالي: إذا كانت العقيدة تؤسّس لنظرة الإنسان للعالم، فإنّها بالضرورة تفرض على الإنسان كيف يتعامل مع هذا العالم. سأطرح هذه الكيفيّة بشكل منفصل، من خلال مناقشة التّصور الزّمني المنبثق من قلب العقيدة الواحدانيّة، وكيف يدفع المنظور العقائدي سلوك الإنسان نحو جهة بعينها– على طريقة التّكيّف الطبيعيِّ.

معادلة البقاء

تتقاطع الأديان، بحسب المناطق الجغرافيَّة، لدى الجوهر. يسود منطقة الشَّرق الأوسط اعتقاد بإطلاقه في واحدانيَّة الله. تعود جذور هذا الاعتقاد إلى زمن إبراهيم في الشَّرق الأدنى القديم، عندما كان يؤسِّس للإيمان كخبرة دينيَّة جديدة للعالم السَّامي.حلت اليهوديَّة من الأغوار، وأحلت بانتشارها معرفة جديدة أبقت ذلك التراث صامدا في وجه عشرات القرون. ما ورد في سفر التَّكوين بخصوص مسألة الخلق، ابتدأ السيرورة الكونيَّة الَّتي مهَّدت للوجود الإنساني. بالتَّالي شغل الأمر الإلهي بالكون معيار الوجود في تركيب العقيدة الواحدانيَّة.

في بادئ الأمر لم يكن هناك معيار لأمر الفناء الكونيِّ، رغم أنَّ الموت كان معيار الفناء الإنسانيِّ فرديًّا وجماعيًّا. بمرور الوقت تمركزت الميثولوجيا المسيحيَّة وسط عوام المنحوسين، واستطاعت على مر العصور إقناع المظلومين بجزاء مكافئ بعد أن يقضي البشر جمعاء. وإذ استحال الشَّقاء فوق الأرض إلى طاعون يلتقط الأرواح، بات جزاء الآخرة ضرورة يدرك الإنسان من أجلها معادلة للبقاء.عند هذا الحدِّ أُجبر التراث اليهوديُّ على الإقرار بالحياة الأخرى، وتلقف يوم القيامة المعيار الكونيَّ للفناء. من ذلك الحين فصاعدا ما فتئت تلك الأركان الثَّلاثة للاعتقاد الواحدانيِّ تبذر جذور نظرة كونيَّة متكاملة، وهكذا أخذ البناء العقائديُّ في مغنطة الماهية من كلِّ حدب، قافزا إلى حيز جديد ضمن غمرة العمليَّة التكامليَّة.

من استدلال منطقيٍّ بعدم قابلية الأمر للانشقاق عن صاحبه، يُخضع معيارا الوجود والفناء إلى الله. ويرتبطان شرطيًّا بقبلية وتبعيَّة تتناسبان طرديَّا مع بعضهما البعض، ما يصب في صالح البناء العقائديِّ من أكثر من جهة. على الرَّغم من افتقار مرحلة ما قبل الخلق اللاَّزمنيَّة إلى أيَّة قاعدة عمليَّة في معادلة البقاء، تقوم بدور الدَّعامة لمشروعيَّة الوجود الإنسانيِّ ككلّ. من المرجح أنَّ جلنا قد اكتسب منذ حداثة سنه القول بأنَّ الله – بطريقة مَّا – حشرنا قبل الخلق كبشر، وخيّرنا بين الوجود والعدم. وبغض النَّظر عن الاضطراب المنطقيِّ الَّذي يشوب افتراض مثل هذا، أعلنها القرآن صريحة[2]. وعلاوة على إيراثنا آثام البقاء، تُصار أنتولوجيّة الحياة الآخرة أكثر قابليَّة للاعتناق، لأنَّها تغدو منطقيَّة ومرضية إلى حدٍّ كبير.

تتلاقى كلّ من تبعيَّة أمر الخلق وقبليّة أمر الفناء في السيرورة الحياتيَّة على المستويين الإنسانيِّ والكونيِّ، على ذلك تعتبر أيَّام الخلق السِّتة نقطة الانطلاق بالنسبة إلى الزَّمن، الَّذي يقطع ما بين الأمرين. يتبنى الفكر الواحدانيُّ للزَّمن تصوّرَ سهم مستقيم موجّه المسار، سرعان ما يرتبط بمنظور شموليٍّ للكون بفضل ما تتيحه الأسطورة من معرفة كافية عن ماضي العالم ومستقبله. يؤمن الواحدانيُّ بأنَّ الزَّمن مستغرقٌ إلى نقطة النِّهاية، بصرف النَّظر عن أنَّه لا يعرف متى تحين.

Sans titre.png

عند هذا الحدِّ يكتمل المنظور العقائديُّ للكون، ورغم أنَّه لا يقدم أيَّ تفسير موضوعيٍّ في أيِّ وقت يتعلَّق الأمر بالزَّمن، ينضح بميكانيكيّة تتَّبع مبدأ التَّكيّف الطبيعيِّ لنظرية تشارلس داروين في التَّطور، كما عرضها في كتابه “عن أصل الأنواع” المنشور عام 1859. تعمل هذه الميكانيكيَّة دون انتباه مُشترط من الإنسان على تطوير آلياته الذَّاتيَّة بغرض مواكبة التَّطورات الموضوعيَّة للنِّظام المهيمن على الأرض، كما تحرص بصورة مستمرة على إبقائه حيَّا كيفما أمكن ذلك، وفوق ذلك ما تنفك تطرق أبواب التَّناسل.

من المفيد اختزال ذلك الكلِّ في معادلة قياسيَّة أرسطيَّة ذات مقدِّمتين:

أولا، الأمر الإلهيُّ بالكون مقرونا بصاحبه – الله – ثانيا، الكون مقرونا بزمن الكون. يُحصّل من ثمَّ الناتج منطقيًّا، بناء على امتزاج الأمر الإلهيِّ بالكون ضمن إطار زمنيٍّ محدَّد. على هذا الأساس، تتَّخذ المعادلة الواحدانيَّة هذه الصفة: الأمر/الله + الحياة/العمر = الحياة الآخرة، نعيمها أم جحيمها.

كما يمكن من خلال المنظور العقائديِّ الواحدانيِّ استدلال شرطين لا مندوحة عنهما من أجل تحقق المعادلة في مثل هذه الصورة، عن طريق القياس. تُشترط أولا ملكيَّة الله للخلق والسيرورة الحياتيَّة – كونيَّة وإنسانيَّة على حدِّ سواء – حال إصداره أمر الكون، فضلا عن إقامته شريعة كلّ منهما. يمتدُّ الأمر الإلهيُّ بالضرورة إلى الحياة الأخرى، ومن هنا يتأتى الوفاء بالشَّرط الثَّاني: اقتسام النتيجة بين الله والإنسان، لكلٌّ منهما دور جوهر يفي صيرورة الحياة الآخرة إلى نعيم أم جحيم؛ يمنح الله الإنسان بعد الموت حياة سرمديَّة، كما منحه من قبل الحياة على الأرض.

من الملائم في هذه الحال أن نبلغ القياس عبر طريق رياضيّة بعض الشيء. لندع المقدمة الكبرى (س) تعاد لأمر الخلق بالكون مقرونا بصاحبه، والمقدمة الصغرى (ص) الحياة الأرضيَّة الَّتي تتحقَّق بالعمل، مقرونة بالإطار الزَّمني لعمر الإنسان الواحد على المستوى الفردي، أو عمر البشر كلُّهم منذ بداية الخلق إلى نهايته على المستوى الجماعي. تقترن حياة الكون، الَّتي تتحقَّق بالوجود، بالإطار الزَّمني الأقصى الَّذي يقطع ما بين أيَّام الخلق السِّتة ويوم القيامة. وبما أنَّ النتيجة تظلُّ دائمًا مجهولة، سأرمز لها بالرمز (ع).

لا توجد ثمئذ استحالة منطقيَّة في تطبيق المعادلة عن طريق القياس، لا سيَّما بتوافر شرطيّ الملكية وشراكة صاحب الأمر في تحقيق النتيجة، جنبا إلى جنب مع محدديّ (س) و(ص). وفقا لذلك تتَّخذ المعادلة الواحدانيَّة مجردةً هذه الصفة: (س + ص = ع).

ينفرد الفصيل الإنسانيُّ بطمأنينة ملحوظة عند تعلُّق الأمر بقبيل من مشكلات الحماية إزاء الضواري، التَّضور جوعا، أو الكوارث الطبيعيَّة. بعد اجتياز بعض العقبات، سنحت فرصة الإنسان في الحصول على أيِّ شيء تقريبا، شريطة عدم الحياد عن نطاق نظام يقوم – بجميع مشتقاته – على التَّبادل النَّقديِّ. لسوء الحظِّ أو لحسنه، تقدر الأموال على تأمين أهم مستلزمات البقاء، كالغذاء والمأوى. ولأنَّ العالم الَّذي نعيش فيه عالم رأسمالي بامتياز، تتربَّع الملكيَّة الخاصَّة على عرشه صائنة لاستمرارية التَّداول النَّقديِّ، ومن ثمَّ بقاء النِّظام. هناك عمل وحيد لدوام التَّداول النَّقديِّ والحصول على المال: الشُّغل (الَّذي يخضع عادة إلى مفاهيم الملكيَّة المتنافرة بحسب القوانين والأخلاق).

يقع العمل من دون شكٍّ تحت وطأة صاحب العمل، مصدر أمر الشُّغل. تتحقَّق المقدمة الكبرى (س) بالنسبة للمعادلة في أمر الشُّغل المقرون بصاحب العمل. كما يُوفّى الشَّرط الأوَّل للقياس، ملكيَّة صاحب العمل، عبر احتكاره الرأسمال وهيمنته على شروط العمل الَّتي تُقاس بالشُّغل خلال الإطار الزَّمني المحدَّد. تتأتى من ثمَّ المعادلة الصغرى (ص) بصورة تلقائيَّة، من الشُّغل، على سبيل المثال، 40 ساعة مدَّة خمسة أيَّام في الأسبوع الواحد. لو أضفنا (س) و(ص) إلى بعضهما البعض، سنحصل على نتيجة متسقة وإيَّاهما، منطقيّة، ومرضيّة إلى حدٍّ كبير: النقود (الأجر).

ما يثير دهشتي انطباق تلك المعادلة على فترة ما قبل العمل، فترة التنشئة الذَّاتيَّة والموضوعيَّة لإجهاض التَّشرد والموت جوعا من رحم النِّظام. لنأخذ،على سبيل التَّمثيل، المدرسة : افرض أنَّ المقدمة الكبرى (س) تتحقَّق في المدرس صاحب الأمر، غير أنَّ طبيعة الأمر تختلف ولو ظاهريًّا عن أمر صاحب العمل، مع ذلك تتلاقى كلتاهما عند الشَّرطين الَّذين تتحقَّق بهما المعادلة بصورة صحيحة:الشَّرط الأوَّل، إقرار ماذا يجب على الطلاَّب أن يفعلوا في الحالة الأولى، والعمَّال أو الموظفين في الحالة الثانية.

تكمن ملكيَّة المدرس في ذلك الإقرار، إلى جانب المشاركة في وضع الامتحانات النِّهائيَّة، ومنح الدَّرجات أيضا. تعمل هذه الشَّراكة على استيفاء الشَّرط الثَّاني الَّذي يضمن صلاحيَّة القياس. عندئذ تقتصر المقدمة الصغرى (ص) على خضوع الطلاَّب لسلطة المدرس على المدى الزَّمني للفصل أو للعام الدراسيِّ. ورغم أنَّنا بغير حاجة إلى المعادلة، ونعرف النتيجة عن طريق استقراء تجريبيٍّ سابق، قد لا يلاحَظ تطابق النتيجة الحاليَّة ونتيجة المعادلة الأصليَّة الواحدانيَّة مع بعضهما البعض في ازدواجيَّة ما بعد النِّهاية: لكلّ من الامتحان والحياة الآخرة احتمالان؛ النَّجاح أم الرسوب،الفردوس أم جهنم.

لهذا التَّطابق مدلول لا ينبغي الاستهانة به إذا ما وضعنا في الحسبان أنَّنا نعانق عقائدنا في سنٍّ صغيرة جدًّا تحيط بها أسوار التَّعليم الإلزاميِّ. وبالطبع لا تتطابق نتيجة المعادلة الواحدانيَّة ونتيجة العمل من حيث الجزاء المتناقض، بسبب استحالة عمل الإنسان بلا مقابل من المال، إذا ما استثنينا الأعمال الَّتي لا تفسح مجالا للتملّص كالسِّجن أو الاسترقاق، وحريّ اعتبار النِّساء اللاَّئي يعملنَّ في المنزل لفترات تبلغ الثلاثين ساعة أسبوعيًّا دون حصولهنَّ على أجر مقابل.

يجعلني ذلك القياس أعجب عن جدوى الجوهر العقائديِّ من ناحيته الدينيَّة، مقارنة بعمليّته في التَّكيّف من ناحية بيولوجيَّة صرفة. الملفت للنَّظر أنَّ نمط التَّكيّف لا يمت بصلة لأيَّة تفاعلات بيولوجيَّة جسديَّة أو جينيَّة، بل يظهر بتجلّ في الذَّكاء الإنسانيِّ ذي الأصول البيولوجيَّة[3]. أستطيع أن أقر بأنَّ الذَّكاء الإنسانيَّ قد نجح على مدار آلاف السنوات في أن يحلَّ محلَّ القوَّة العضلية بجميع أشكالها، من الناحيتين الأخلاقيَّة والجماليَّة. ولعلَّ ذريعة مثل هذه عززت من مناهضي الحرب إبَّان عقد الستينيات الَّذي شهد سخطا واسعا واحتجاجات كبيرة تناوئ السياسات العسكريَّة وتشجبها. ما يومض بأنَّ الوجود الذَّاتيَّ الَّذي يعوز إطارا موضوعيًّا في العالم الخارجيِّ، عنصر من عناصر عملية التَّطور، تصارع من خلاله لغاية الارتقاء.


الهوامش:
[1] الأصل الفرنسي: L’hominisation – ميرتشا إلياده، تاريخ الأفكار والمعتقدات الدينية، الجزء الأول، الفصل الأول، ص 15.
[2] الأحزاب: 72
[3] راجع الثَّقافة الموروثة في البيولوجيا التَّطوريَّة، والميمات في الأنثروبولوجيا

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s